حبيب الله الهاشمي الخوئي

156

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الدار لمن لم يتّهمها ولم يكن منها على وجل فقد رأينا تنكَّرها وتغيّرها لمن دان لها واثرها داخلة إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد هل زوّدتهم إلَّا السغب أو أحلَّتهم إلَّا الضنك أو نوّرت لهم إلَّا الظلمة أو أعقبتهم إلَّا الندامة فكيف يثق بها اللبيب أو يركن إليها الاريب ، هذا . ولما أوصاهم بذكر الموت وأتبعه بشرح حال الأموات تنفيرا عن الدّنيا وتحذيرا من الركون إليها فرّع عليها قوله : ( فسابقوا رحمكم اللَّه إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها ) وهي منازل الآخرة ودرجات الجنان ، والمسابقة إليها وإلى عمارتها إنما تكون بصالح الأعمال المشار اليه بقول ذي الجلال : * ( « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ » ) * * ( « وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ » ) * . ( و ) تلك الجنّة هي ( الَّتي رغبتم فيها ودعيتم إليها ) أي دعاكم اللَّه إليها بالآية السابقة الامرة بالمسارعة إليها وبأمثالها ورغَّبكم فيها بقوله * ( « قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ » ) * وبما ضاهاها من الآيات . ( واستتمّوا نعم اللَّه عليكم بالصبر على طاعته والمجانبة لمعصيته ) فانّ الصّبر على الطاعات والتحمل لمشاق العبادات والتجنّب عن المعاصي والسيئات مؤدّية إلى شمول الألطاف الإلهية وإفاضة الآلاء الدنيويّة والأخروية ، كما أفصحت عنه محكمات الكتاب ، وشهدت به روايات الأئمة الأطياب ، هذا . ويحتمل أن يكون المراد من استتمام النعم بما ذكر هو طلب تمامها بإضافة النعم الاخرويّة على الدنيويّة وانضمامها إليها ، فانّها لا تحصل إلَّا بالمواظبة على الحسنات والمجانبة عن السيّئات كما هو مقتضي رحمته الرّحيميّة ، وليست كالنعم الدنيويّة تنعم بها على البرّ والفاجر باقتضاء الرّحمة الرّحمانية ، وقوله : واستتمّوا ، لا يخلو من الاشعار بهذا الاحتمال كما هو غير خفىّ على صاحب الذّوق السليم .